رفيق العجم
724
موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي
الحيوانات لا يتصرّم أبد الدهر ؛ وأن السماوات والأرض لا يتصوّر انعدام أجسامهما . وأوّلوا القيامة وقالوا إنها رمز إلى خروج الإمام وقيام قائم الزمان وهو السابع الناسخ للشرع المغيّر للأمر . وربما قال بعضهم : إن للفلك أدوارا كلية ، تتبدّل أحوال العالم تبدّلا كليّا بطوفان عام أو سبب من الأسباب . فمعنى القيامة انقضاء دورنا الذي نحن فيه . وأما المعاد فأنكروا ما ورد به الأنبياء ، ولم يثبتوا الحشر والنشر للأجساد ، ولا الجنة والنار ولكن قالوا : معنى المعاد عود كلّ شيء إلى أصله . والإنسان متركّب من العالم الروحاني والجسماني ، أما الجسماني منه ، وهو جسده ، فمتركّب من الأخلاط الأربعة : الصفراء والسوداء والبلغم والدم ، فينحلّ الجسد ويعود كل خلط إلى الطبيعة العالية ؛ أما الصفراء فتصير نارا ؛ وتصير السوداء ترابا ويصير الدم هواء ؛ ويصير البلغم ماء - وذلك هو معاد الجسد . - وأما الروحاني ، وهو النفس المدركة العاقلة من الإنسان ، فإنها إن صفّيت بالمواظبة على العبادات ، وزكّيت بمجانبة الهوى والشهوات ، وغذيت بغذاء العلوم والمعارف المتلقّاة من الأئمة الهداة ، اتّحدت ، عند مفارقة الجسم ، بالعالم الروحاني الذي منه انفصالها وتسعد بالعود إلى وطنها الأصلي ، ولذلك سمّي رجوعا ، فقيل : ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ( الفجر : 27 ) وهي الجنة . وإليها وقع الرمز بقصة آدم وكونه في الجنة ثم انفصاله عنها ونزوله إلى العالم السفلاني ثم عوده إليها بالآخرة . وزعموا أن كمال النفس بموتها ، إذ به خلاصها من ضيق الجسد والعالم الجسماني ، كما أن كمال النطفة في الخلاص من ظلمات الرحم والخروج إلى فضاء العالم . والإنسان كالنطفة ، والعالم كالرحم ، والمعرفة كالغذاء . فإذا نفذت فيه صارت بالحقيقة كاملة وتخلّصت . فإذا استعدّت لفيض العلوم الروحانية ، باكتساب العلوم من الأئمة وسلوك طرقها المفيدة بإرشادهم استكملت عند مفارقة الجسد ، وظهر لها ما لم يظهر . ولذلك قال عليه السلام : " الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا " . وكلما ازدادت النفس عن عالم الحسيات بعدا ازدادت للعلوم الروحانية استعدادا ؛ وكذلك إذا ركدت الحواسّ بالنوم اطلعت على عالم الغيب ، واستشعرت ما سيظهر في المستقبل : إما بعينه ، فيغني عن المعبّر ، أو بمثال فيحتاج إلى التعبير . فالنوم أخو الموت ، وفيه يظهر علم ما لم يكن في اليقظة ؛ فكذا بالموت تنكشف أمور لم تخطر على قلب بشر في الحياة . وهذا للنفوس التي قدّستها الرياضة العملية والعلمية . فأما النفوس المنكوسة المغمورة في عالم الطبيعة المعرضة عن رشدها من الأئمة المعصومين فإنها تبقى أبد الدهر في النار ، على معنى أنها تبقى في العالم الجسماني تتناسخها الأبدان ، فلا تزال تتعرّض فيها للألم والأسقام فلا تفارق جسدا إلّا ويتلقّاها آخر . ولذلك قال